اليمن .. المخاض الطويل

 لم يكن صادما .. في الحقيقة كان موجعا ، أو لربما كان مؤلما جدا لدرجة الإنصدام مثل آلام الولادة تماما .. والتي قد تؤدي إلى مايسمى صدمة مابعد الولادة و تصاحبها الكثير من الأعراض، وهكذا كانت ثورة ١١ فبراير ..

 

مثالي من ظن أنها -فقط - كانت كفيلة بنقل اليمن من الحضيض إلى الازدهار . عندما قامت ثورة الشباب السلمية اليمنية كان على رأس الدولة الافتراضية راقص على رؤوس الثعابين يدعى علي عبد الله صالح ، لم يكن رئيسا لدوله بل كان حية رقطاء سعت لتدمير معالم الدولة التى حاول إقامة دعائمها ثوار سبتمبر بما لديهم كثوار من قيم عظيمه وخبرات قليلة لإرساء دعائم بلد غرق في ظلمات الجهل والفقر والمرض لعقود طويلة .

 

أغرقت الأفعى اليمن في ظلمات الفساد والانتهازية وخلقت نخبا مشوهه غير صالحه لبناء دولة أو النهوض بها .. والكثير من قيم الابتزاز والنهب والتفيد والرشوة جعلت الكثير من أولئك الذين دخلوا في السلطة مجرد صورة مصغرة من الأفعى الكبيرة . كلهم يرقصون وفق الإيقاع الذي يرضيها ويمارسون نفس قيمها دون أدنى حياء أو خجل فقد أصبحت تلك القيم دليل على الذكاء والحنكه والوسيلة الوحيدة للاستمرار في المنصب .

 

استطاع الراقص الذي لم تكن تعنيه اليمن في شئ أن يخلق حالة من الخواء القيمي وأن يتردى بأخلاق الكثير من الناس تارة بشراء الذمم وتارة أخرى بالتهديد والابتزاز كما استطاع أن يقوم بتفريغ أغلب مؤسسات الدولة من معناها لتنشأ دولة هشه لا تحتاج للكثير من الجهد لكي تنهار.

 

جاءت الثورة الجديدة رغم المؤامرات الداخلية والخارجيةوهي لا تمتلك أدوات بناء الدولة ،امتلكت الكثير من القيم وافتقرت للخبرات والحوامل القادرة على النهوض بتلك القيم ،كانت الصدمة التي جعلت الناس تستيقظ من غيبوبتها لكنها لم تكن الكفيلة بجعلهم قادرين على النهوض والحركة وبدأت الحوامل القديمة تحتل المساحات الشاغرة ، تمتلك الأدوات والخبرة فتقدمت وهي لا تزال تحمل كل إرث صالح المريض، وبذات الأدوات للأسف أدارت المرحلة ..

 

وفيما الجميع غارق في خضم ما يحدث كانت أحلام الأئمة الجدد تتجدد ( الحوثيون ) و مايمكن أن ندعوه بجناح الهاشمية السياسية وهم من ظلوا عالقين في كل مفاصل الدولة الوليدة ويمتلكون المشروع والأدوات بعيدا تماما عن بناء دولة جمهورية وبعيدا عن النهوض بشعب عانى طويلا من الجوع والفقر والمرض نتيجة سياسة الأئمة القذرة تجاه الشعب اليمني ونتيجة حروبهم المتواصلة منذ قرون . كل ماكان يعني تلك الجماعة هو استعادة حقها الإلهي في تركيع الشعب اليمني ونهب خيراته وإخضاعه لذا عملت( مع صالح )على السيطرة على الدولة واخضاعها لسطوتها وقيمها ..

 

عملت في الخفاء وكانت تستعد للحظة الحاسمة حتى سنحت لها بمساندة عدو الأمس صالح والذي قام بتسليمها الكثير من المعسكرات وفتح المدن أمام طريقها من خلال تحييد جميع عناصره وأدواته والتي كان أهمها المعسكرات ومؤسسة الجيش وشيوخ القبائل ،مما سهل عليهم المهمة وبمساندة عناصرهم الجاهزة لتجميل صورة المليشيا القادمة بكل أنواع الأسلحة لإسترداد ميراث الآباء والأجداد والتي تعاملت مع الشعب اليمني كرعاع عليهم أن يخضعوا وحاصروا المدن وقتلوا ونهبوا كغزاة..

 

قامت تلك الشبكة الناعمة للانقلاب بتضليل المجتمع الدولي لحقيقة ما يحدث في اليمن وتقديم مجموعة القتلة الذين يدعون الحق الإلهي في الاخضاع والسيطرة وعبر منظماتها وعلاقاتها استطاعت أن تجعل المشهد يبدو كحالة إنقاذ ومكنت تلك العصابة من العودة لامتصاص دماء الشعب اليمني مجددا في ظل استخفاف دولي وإقليمي بما يحدث ومحاولة جميع الأطراف من استغلال الوضع كل لصالحه .. ماالذي فعلته ثورة 11 فبراير ؟ لقد قامت بكشف الأقنعة واخرجت الضباع من جحورها وخلصتنا من إقذر نظام حكم اليمن بعد الإمامه ..

 

كما خلصتنا من أصحاب السيادة الإلهية ومظلوميتهم التاريخية ليلعب الجميع على المكشوف ، لم يعد في اليمن الجديد مكان لكل تلك الأدوات التي عملت على خلخلة الدولة في كل تاريخها ولم يعد لأصحاب المصالح والمشاريع الطائفية مكان ..

 

لا فساد ولا استغلال ولا سادة أو عبيد ولا نهب أو سرقة .. فقط مصلحة الشعب اليمني ضمن مشروع الدولة المدنية الحديثة ..

 

لن يحدث ذلك في يوم وليلة، عملية التطهير مستمره والأدوات القذره تتخلص من بعضها البعض والثورة التي يعتقد البعض أنه تم استغلاها والعبث بها هي من تقوم عمليا بذلك التطهير ولا خيار أمام اليمنيين سوى أن يكونوا .. وهم الأقدر و الأعرق والأكثر حكمة في كل مراحل التاريخ.
 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص