الأحداث المتسارعة في اليمن وفرص الحسم العسكري

يتردد على ألسنة اليمنيين المؤيدين للشرعية ويهيمن على مشاعر التواقين لعودة الدولة الذين أنهكتهم الحرب واستبدت بهم الأحزان..لماذا تأخر الحسم؟!

وفي ظل هذا الوضع المعقد وتقلبات الأحداث وتذبذب المواقف وحضور المفارقات تظل التكهنات مجازفة والتوقعات تهورا لكن يمكن الحصول على وجهة نظر من خلال المعطيات وتتبع مسارات الأحداث، فقد نقف على نقاط محددة نعتقد أنها أسهمت بشكل أو بآخر في تأجيل عملية الحسم العسكري كخيار استراتيجي لا بديل عنه..

وقبل الحديث عن عوامل التأجيل لا بد من العودة إلى العام ٢٠١٤ فإن مليشيات الحوثي قد أقدمت على ارتكاب أكبر جريمة في تاريخ البشرية حيث لم تكتف بالانقلاب المسلح على السلطة الشرعية كما يحدث في بعض دول العالم، إنما مارست احتلالا حقيقيا، ومزقت النسيج الاجتماعي وحاولت أن تفرض معتقداتها بقوة السلاح ونقلت المعارك إلى كل قرية.. ولم تقف عند هذا الحد بل استفزت دول الجوار حينما أعلنت صراحة أنها تريد مكة، وباشرت القيام بمناورات على حدود المملكة السعودية في تماه مباشر مع المشروع الإيراني الذي أعلن صراحة أن صنعاء أصبحت إيرانية الولاء والتبعية..

كل هذه الممارسات جاءت عقب حوار شامل ناقش فيه اليمنيون كل القضايا وخرجوا بحلول ترضي جميع الأطراف السياسية والمدنية فضرب الحوثيون بكل ذلك عرض الحائط وارتكبوا جريمتهم فكان لابد من المواجهة المسلحة التي تعيدهم إلى جادة الصواب وتعزز هذا التوجه بدخول التحالف العربي على الخط حيث استجاب فورا لدعوة رئيس الجمهورية، وكان العام ٢٠١٥ قد أفرز واقعا جديدا وحقق الجيش الوطني انتصارات متتالية قلبت المعادلة..لكن حسابات إقليمية ودولية أوقفت ذلك الزحف وبقي الجيش الوطني ينتظر التوجيهات وإن حدثت بعض المعارك المهمة إلا أنه كلما اقترب من تحقيق الضربة القاضية تتدخل القوى الخارجية وتوقف استكمال عملية التحرير..

وأمام هذا المنعطف الخطير والتحدي المباشر كان المنطقي أن تعود الشرعية إلى داخل الوطن لتفرض هيبة الدولة لكنها للأسف هيأت لنفسها البقاء مدة أطول خارج اليمن، واقتصرت جهودها على الزيارات القصيرة والعودة إلى الرياض مكتفية بالعمل ضمن قروبات الواتساب..

التحالف العربي الذي بدأ جادا في إعادة الشرعية وإسناد الجيش الوطني منذ بدء المعركة انشغل بمعاركه الخاصة التي بدت القضية اليمنية ثانوية وهامشية وتحولت بعض الأطراف إلى عائق أمام عودة الشرعية واستكمال مسيرة التحرير..

كان المفترض أن تتخذ الشرعية عبر الدبلوماسية اليمنية موقفا صارما وتتحرك في أروقة الأمم المتحدة لكن الدبلوماسية هي الأخرى اقتصرت مهامها على متابعة المستحقات والوظائف.

وفي المقابل كانت الأحزاب السياسية قد دخلت في موت سريري إلا من بعض المماحكات في تعز التي تنشب بين الحين والآخر. ومثلها المنظمات الإنسانية والفعاليات السياسية التي لم تؤد أي دور باستثناء بعض الجهود المتواضعة..

يأتي كل هذا الترهل في الوقت الذي كنا ننتظر أن نرى مهمة تحرير الأرض والإنسان واستعادة الدولة تمضي بتناغم وانسجام ما بين العمليات العسكرية وتضحيات الأبطال وانتصاراتهم الميدانية وبين الفعاليات السياسية والإدارية وتسير في مجموعها جنبا إلى جنب، وتعكس مواقف الأبطال في الجبهات الذين يسكبون دماءهم ويقضون أياما وشهورا وسنوات في قمم الجبال يقاومون الطغيان ويطاردون فلول الانقلاب بكل إخلاص وحرص بما يمكن من استعادة الشرعية دون التفريط في شبر واحد، فضلا عن عدم التراخي في القرار السياسي أو التنازل قيد أنملة عن مشروع الدولة أو التساهل في اتخاذ القرار السياسي اليمني الخالص وفق رؤية واضحة وشفافة ومعلنة يفهمها المواطن اليمني ويراقب سيرها..

هذا التراخي انعكس على كل مؤسسات الشرعية باستثناء المؤسسة العسكرية التي بقيت عند مستوى التحدي بالرغم من كل العراقيل والضريات الموجعة ..

ولعل عامل الوقت كانت انعكاساته كبيرة وبدا بعض المعنيين بعملية التحرير يبحثون عن مصادر تأمين حياتهم وحياة أسرهم وخف الزخم واتجه بعض المسئولين نحو الاستثمار وممارسة الأنشطة المدنية وغاب الهم التحرري والوطني باستثناء التعيينات في الوظيفة العامة التي ظلت تحتفي بتعيين أعداد كبيرة من العاطلين عن الكفاءة والقدرة..

هنا في هذه اللحظة أدرك المتربصون باليمن أنها الفرصة الثمينة في تمرير مخططاتهم وتعززت قناعاتهم باستجابة أعداد من اليمنيين قبلوا أن يعملوا كأدوات تخريبية أعاقت الشرعية وعرقلت عودتها..

هذا التراخي الملحوظ انعكس ذلك على الأداء؛ فالمسئول الذي كان كل تفكيره في منزله المدمر ومزرعته المصادرة أصبح يتقاضى راتبا بالعملة الصعبة وانشغل بالبحث عن مقر دائم وعيش ملائم.

والتاجر الذي كان يتمنى لو يرى بيادات الجيش الوطني لحماية ممتلكاته أصبح يراقب سعر الصرف وأسعار العملات.. والسياسي الذي كان يتمنى تنظيم حلقة نقاشية في مكان آمن أصبح يقدم التقارير والوشايات ويتسول باسم وطنه نكاية بخصمه السياسي..

مليشيات الحوثي التي كانت على وشك السقوط وكانت الضربة القاضية التي ستفقدها توازنها بتحرير الحديدة على بعد طلقة، أعادت أنفاسها وتنفست الصعداء بحوار السويد ..

ولا يعني هذا أننا فقدنا الأمل بعد كل هذا الترهل فمازالت الشرعية قادرة على حسم المعركة وذلك بإعادة ترتيب أولوياتك الحرب وتقييم أداء المعنيين بهذا الحسم من عسكريين وسياسيين وأمنيين ودبلوماسيين يلي ذلك تقييم أداء المؤسسات المعنية بالمعركة ومحاسبة المقصرين وتجريدهم من وظائفهم وإحلال كفاءات قادرة على تنفيذ المهمة
والتعامل بحزم مع الأطراف الخارجية التي تحاول فرض أجندتها ومصارحة الشعب ووضعه أمام هذه القوى وتجريم كل من يتعامل معها ومحاكمتهم بتهمة الخيانة الوطنية..يتم ذلك من خلال الإشراف المباشر على سير المعركة عسكريا وسياسيا ودبلوماسية وإعلاميا وحقوقيا وحشد الرأي العالمي وحشره في صف الشرعية..

ستكون لحظة الحسم يسيرة وقريبة جدا ولكن حينما نستنفد كل الأسباب الكفيلة بتهيئة الأرضية التي تليق بهذه اللحظة التي تأخرت طويلا وهرم الشعب من أجلها..

 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص