مشاهد الحرب

ثيابهن رثه وملامحهن منهكة جلست جواري في باص صغير كان يلقنا إلى أحد شوارع المدينة المتهالكة هي أيضًا.
 
تحدثت الأولى لسائق الباص قبل الصعود وأخبرته أن لديها 30 ريالًا، واستأذنته بالسماح لها بالركوب، كان رده نادرا وكريما، طلعت المرأة وهي تكفكف دمعة كادت تسقط على خدها الذي لفحته حرارة الشمس، قهر الزمن وأهوال الحرب سلبا المرأة الثلاثينية رونق عمرها الذي كان مزهرا مثلها مثل أي فتاة.
 
راقبتها بحذر كي لا أشعرها بالحرج، كانت تحمل كيسًا فيه أحشاء وأرجل الدجاج التي يجري التخلص منها في المسالخ، منظر الكيس يوحي بقساوة الفقر المدقع قبل أن يشعر الناظر بالتقزز. وتحمل كيسًا آخر فيه فُتات من الخبز لا يصلح للحيوانات أن تأكله، لكنه واضح من ملامحها أنه قوت أطفالها.
 
وعلى طول الطريق، كانت المرأة تهذي بدعاء يوحي بالمرارة القهر وأنا مستمرة في النظر إليها بصمت مقهور.
 
 سألها أحد الركاب، منهم يا حجة الذين تدعي عليهم؟ قالت الذي شردونا وقطعوا رواتبنا وأكلوا حقنا وأهانونا، للوهلة الأولى من دعائها ضننتها تدعي على قريب لها كزوج أو اخ لكنها قالت صراحه "كلب الكهف السئ الحوثي"
 
تجاوبت معها العجوز بالكرسي المقابل لنا، وانتحبت بالبكاء قتلوا عيالنا شردوا بنا الله يشرد بهم سألها الرجل هي الأخرى وأنتِ مالك يا حجه قالت أنا أعول عيال أولادي الذين قتلوا كلهم بالجبهة مع الحوثي. هم ينعموا من ظهرنا وأنا أموت جوعا أنا وعيال أولادي، أنا سايره إلى جولة ريماس أبيع الفاين هناك عشان أعود بقوت يومي .
 
انفجرتا المرأتان باكيتان بسبب تشابه معاناتهن، وصمت جميع من في الباص، الذي شاركوهن الحديث المؤلم عن وطن لا يأوي أبنائه.
 
نزلت الأولى قبل الجولة، ونزلت الأخرى بعد الجولة، وهي تبكي أن بائع الفاين رفض أن يبيعها كيس الفاين بسبب ارتفاع الدولار.
 
واصلت أنا المسير إلى حيث غايتي، غير أن قلبي وعقلي يرافقان المرأتين، فلقد جسدن معاناة المئات من النساء اليمنيات في قلب العاصمة صنعاء والمناطق المحيطة بها.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص