حتى لا تنهار الدولة اليمنية ؟

حكم صالح اليمن أكثر من ثلاثة عقود وتوفرت له الفرص واحدةً تلو الأخرى لبناء دولة وتنمية بلده الذي عاش صراعاً وإحتراباً كان للحرب الباردة دوراً في إذكاءها حتى كانت الوحدة بين شطري البلد في عام 1990م, غير أنه ظل يدير البلد بالفساد والفشل وإهدار الإمكانيات المحدودة والمساعدات والقروض التي تحصل عليها من الأشقاء والأصدقاء, استخدم التناقضات السياسية والاجتماعية ضمن القاعدة التي ظل يتفاخر بها (الرقص على رؤوس الثعابين). 

وصلت البلاد الى حالة انسداد تام مع تصاعد حدة الاحتجاجات في الجنوب وحروب صعدة في الشمال وانتشار تنظيم االقاعدة الارهابي في بعض المحافظات, واستمر صالح في استخدام كل ذلك للتكسب من ورائه وابتزاز الجيران والمجتمع الدولي وأيضاً حصر السلطة في عصبية قبلية مناطقية تمهيداً لتوريث نجله الأكبر (أحمد قائد الحرس الجمهوري).

كانت الإحتجاجات التي أندلعت في فبراير 2011م تتويجاً لكل ذلك, ووجدها الأشقاء والمجتمع الدولي فرصة لفرض حالة تغيير ظل صالح يتلكأ أمامها وهي ضرورية بعد أن كانت التقييمات الدولية تؤكد أن الدولة التي يقودها وصلت لحالة الفشل التام. 

وكان القلق واضحاً من انهيارها وتمكن التنظيمات الإرهابية من بلد أهميته الإستراتيجية ليست فقط في كونه يقع جنوب الجزيرة العربية, ولكن لإمتلاكه شريط ساحلي كبير على بحري العرب جنوبا والاحمر غرباً مروراً بمضيق باب المندب.

كان قلق المجتمع الدولي من الإرهاب هاجساً كبيراً, ظل يستغله صالح حتى آخر لحظات حياته رغم تسليمه الصوري للسلطة لنائبه عبدربه منصور هادي في فبراير 2012, وسارت البلاد نحو استكمال إستحقاقات المبادرة الخليجية التي رعتها دول مجلس التعاون الخليجي والمجتمع الدولي عموماً وعقد مؤتمر الحوار الوطني الشامل لمدة عام واتجهت الأمور نحو إعداد دستور جديد للبلاد يؤسس لدولة اتحادية.

حينها كان صالح ينسج تحالفه مع جماعة الحوثي التي تبنتها إيران وبدا دعمها لها واضحاً منذ توقيع المبادرة الخليجية في العاصمة السعودية الرياض برعاية الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله, ورغم رفض الجماعة للمبادرة إلا أن أيادي دولية أصرت على إشراكهم في مؤتمر الحوار كمكون سياسي رغم رفضها التخلي عن السلاح وإعلانها فيما عرف بالوثيقة الفكرية أن الولاية على اليمنيين منحصرة في سلالة معينة تدعي الحق الإلهي في الحكم وإصطفاءها.

وبعد سيطرتها على صنعاء وتمددها في المحافظات واحتجازها للرئيس هادي وملاحقته في عدن, وإعلانها صراحة استهدافها لجيران اليمن وخاصة المملكة السعودية تنفيذاً لأجندة إيران التي أعلن عن أنها سيطرت على العاصمة العربية الرابعة, ولم يجد هادي أمامه من خيار سوى الاستنجاد بالأشقاء في المملكة والخليج للحفاظ على الدولة اليمنية من الإنهيار التام والاختطاف الإيراني.

خاض اليمنيون مع أشقائهم المعركة بعزيمة واحدة وهدف محدد وتحررت محافظات الجنوب والشرق وجزء لا بأس به من مدينة تعز المحاصرة ومناطق في الشمال والغرب والوسط, ووصلت قوات الجيش الوطني بدعم التحالف العربي إلى مشارف صنعاء حيث لا زالت تخوض معارك طاحنة مع تلك المليشيا التي فقدت حليفها صالح بعد أن غدرت به وجزء كبير من ترسانتها العسكرية التي كانت تابعة للدولة اليمنية أو ما تمكنت من تهريبه إيران إليها ولا زالت.

فشل المشروع الإيراني في اختطاف اليمن من حضنه العربي وماتبقى هو مليشيا آيلة للهزيمة والإنقراض إذا استمرت العمليات العسكرية بوتيرة واحدة وفي مختلف الجبهات بوقت متزامن, وتوافرت النواة الحقيقية لتأسيس جيش وطني مهني بعقيدة قتالية يمنية خالصة, لكن الدولة اليمنية لا زالت مهددة بالانهيار التام ولم يعد لها من رمزية تعبر عنها سوى شرعية الرئيس هادي الذي يحظى بدعم إقليمي ودولي.

مؤشرات الخطر المحيط بالدولة اليمنية كثيرة وأبرزها تشتت مؤسسات الدولة الهشة مابين الرياض التي يتواجد فيها هادي ونائبه وغالبية أعضاء الحكومة والعاصمة المؤقتة التي تتواجد فيها الحكومة بشكل محدود وكذلك مأرب وحضرموت وتعز المحاصرة, والتي تشبه كانتونات غير موحدة التوجه والإرادة, إضافة الى بروز تشكيلات عسكرية وأمنية مناقضة للرئيس هادي وحكومته.

ومع طول فترة الحرب وجدت مليشيا الحوثي فرصتها لصناعة حاضنة شعبية فتية في مناطق سيطرتها وبصورة مقلقة من خلال عمليات أدلجة تقوم بها لموظفي الدولة مدنيين وعسكريين وطلاب المدارس والجامعات, جنباً الى جنب مع تأسيسها لإقتصاد حرب تمول من خلاله عملياتها العسكرية ودعم خارجي رغم فشلها في إدارة مؤسسات الدولة المختطفة ولامبالاتها إزاء تدهور الأوضاع المعيشية والصحية وانهيار الاقتصاد وإفلاس القطاع الخاص.

ومع اكتمال 3 سنوات على إنطلاق عاصفة الحزم لابد من عملية تقييم للأوضاع في اليمن بشكل تام لإنهاء عملية الاختطاف لليمن والحفاظ على الدولة من الإنهيار, وهذه ليست مهمة السلطة الشرعية بقيادة الرئيس هادي لوحدها, ولكنها مهمة الأشقاء في التحالف العربي لدعم الشرعية والعمل على تدارك الأمور في أسرع وقت ممكن.

قبل ثورة فبراير ٢٠١١ التي تمخض عنها إزاحة الرئيس السابق علي عبدالله صالح (حكم اليمن ٣٣ عاما) كانت التقييمات الدولية لليمن أنها دولة فاشلة وكان القلق كبيراً من إنهيار الدولة، ولذلك كان تدخل الأشقاء والأصدقاء، لكن عاصفة الحزم بقيادة السعودية كان هدفها الرئيسي منع الدولة اليمنية من الانهيار والاختطاف الإيراني معا، فهل تحقق ذلك بعد ٣ سنوات؟. 

 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص