حوار النيل

فيما كنت أرقب وجه النيل وقد حولته استدارة القمر إلى لوحة ذهبية يهدهدها الموج كحضن أمٍ حنون كان تفكيري يسبح في بحر آخر لا شاطئا له ولا مستقر وإذا بصوت رقيقٍ يكسر مجاديفه ويتسلل إلى مسامعي رويدا رويدا .. (أشتري مني سبحة الله.. يخليك مشن الله اشتري ..) فلتفت مرتبكا وإذا بقمر آخر كامل الاستدارة بيده سُبح وفِي وجهه سحر وفِي عينيه حكايات وآهات تبعه صوت آخر: (اشتري منها يا أخي اليمني هذي بنتي كنا عايشين في اليمن في إب تعرف إب تعرف جولة العدين تعرف السبل عشنا هناك ثلاث سنوات أحلى عيشة وواصلت احنا راجعين اليمن راجعين إب الله عليك يا إب ..) فتسمرت مذهولا وقد خيل لي أنها ستقول هيا ابني كفاية تشرد ارجع بلادك ولكني لم أسمع إلا قهقهات صديقي وهو يسأل غامزا ها صحتك الغانية أين قد كنت ؟ قلت متنهدا خليها على الله كنت حيث قالت هذه الشامية تماما كنت في البلاد .. تجولت في ربوعها في ريفها وحضرها في قمم الجبال ومراعي الأغنام وفِي الشوارع والأحياء في القرى والمدن تفحصت وجوه الأقارب والأحباب.. ياالله كم هي جميلة بلادنا تأملني ملياً وابتسم ابتسامة ممزوجة بالشوق والحنين والآهات ثم قال يا أخي عِش حياتك انظر ما أجمل الخرطوم مدينة آمنة ومستقرة أهلها طيبون والخدمات فيها مقبولة حتى الكهرباء لا تنقطع وواصل مخففا من ما ألم بي يكفي أن هذا السحر فيها وأشار بيده نحو النيل وواصل ألا تعلم أن هذه المدينة كانت توصف بالمدينة التي تغسل بالماء والصابون أيام الاستعمار .. ثم أطلق لبصره العنان وواصل الحديث قائلا

لست أدري لماذا تقفز إلى ذهني مقارنات عجيبة بين جيران اليمن برا وبحرا وكيف أن جيران البر ينظرون إلينا من على فقاعة نفط طارت بهم عاليا ومؤخرا من قمرة طائراتهم الحربية التي لا تغادر مجالنا الجوي فيما جيران البحر ينظرون إلينا كأناس جار عليهم الزمن وقست عليهم الأيام ولسان حالهم شدة وتزول ويعود اليمن كما عهدوه..
 جيران البر يغلقون كل المنافذ أمامنا ويفرضون علينا حصارا لا أخلاقيا منذ ثلاث سنوات دون أي التزامات فيما جيران البحر كل منافذهم مشرعة أمامنا 
 جيران البر يتربصون بأحلامنا ويضيقون بطموحاتنا فيما جيران البحر يفرحون لفرحنا ويحزنهم ما ألم بنا 
 كم مرة صادفتَ سوداني يحدثك عن اليمن قلت مباشرة أييه كثير بشكل يومي تقريبا فقال شفت كيف يحدثك بشغف عن حضرموت وصنعاء وتعز وعدن والحديدة وإب وكيف يسهب في التفاصيل وذكر الشوارع والحارات ثم يختم حديثه ياخي متى تنتهي الحرب دايرين نروح اليمن ياخي .. فيزيدك حبا وعشقا لها.

قلت له يا أخي هذا كلام عاطفي جياران البر هم المقصد الأول للمغتربين قال لا خلاف لكن وعلى ذكر المغتربين انظر كيف تفرض رسوم وأتاوات تصاعدية من فترة لأخرى فيما هنا في السودان البلد المنهك يُعفى اليمني من رسوم كثيرة ويعامل باحترام صحيح أن هناك فارق كبير بل لا وجه للمقارنة في فرص العمل لكن يظل لهذه المبادرات وقع في النفس بالذات في الأزمات والظروف الاستثنائية 
 ها ما عاد به معك ستقول هناك مولات وأبراج وحدائق وأقول لك يغنيك هنا أن تتجول في روايات الطيب صالح وشعر أدريس جماع وفكر الترابي ..الخ ستقول هناك القبلة سأقول لك نعم هناك قبلة الصلاة وهنا قبلة العدل والذي أمر أصحابه بالصلاة صوب الكعبة أمرهم بالهجرة إلى الحبشة لإن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد ...

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص