ما يخشى حزب الإصلاح التفكير فيه

كما أن الخروج من الكارثة يتطلب، وعلى نحو نهائي، مغادرة الحوثيين للسلاح وانخراطهم في السياسة
 فثمة تطلّبٌ آخر لا يقل أهمية وهو: مغادرة حزب الإصلاح، وبصورة نهائية، لجماعة الإخوان المسلمين، وإنحيازهم للجمهورية/ الدولة القومية.

أن تكون حزباً داخل جمهورية قومية يفرض عليك إيمانأً بالجمهورية أولاً وأخيراً. اختيار الجمهورية يعني تخليك عن سرديات القرون الوسطى كالإمامة والخلافة والإمبراطورية. فالجمهورية دالة متعينة تخصاً أرضاً للناس، وشعباً.

جماعة الإخوان المسلمين ستعاني كثيراً، وعلى نحو متزايد، ليس لأنها تخوض مواجهة مع النظام العربي الديكتاتوري بل لأنها صارت شيئاً من الماضي. ربما مثلت الجماعة استجابة ما لأسئلة تاريخية في زمن الاستعمار الانجليزي، بالمعنى السياسي، أو في زمن الخرافة والأمية بالمعنى الثقافي والديني. لكنها، في العصور الحديثة، أصبحت شبيهة بالخرافة. وقف مرشدها العام في العام ٢٠١٣ ليلقي خطاباً عن اقتراب موعد "أستاذية العالم"، وكان ذلك تلخيصاً للمأزق المزمن الذي انزلقت إليه جماعة فقدت معناها التاريخي. فلم يعُد هناك من كولونيالية بريطانية ستقول الجماعة إنها تسعى لمواجهتها، وما من منطق في القول إن على المجتمع المسلم العالمي السعي لاستعادة الفلبين وأسبانيا، كما كان عبد الله عزام، أحد منظري الجماعة، يكتب. الجمهورية أو الخلافة، الديموقراطية أو التظيمات العالمية العابرة للحدود، هذه خيارات حاسمة يتوقف عليها استقرار الدول من عدمه. نظريات أول القرن الماضي هي جزء من مدارات ذلك القرن، ونحن بإزاء قرن مختلف على نحو شامل عن سابقه.

فالشعراء الذين شكلوا "الإحياء والبعث" قبل أكثر من مائة عام هم الآن متحف، حضورهم ونصوصهم وخيالهم. كل القرن الماضي، مع إيقاع الحياة المتسارع والرهيب، يؤول إلى متحف. التكنولوجيا، السوق، والبيئة .. ثلاثية متسارعة وعنيفة تغير ملامح كل شيء، وتنقلنا كل بضعة دقائق إلى زمن جديد، كما رصد توماس فريدمان في كتابه الأخير: شكراً لأنك تصل متأخراً. بينما تنهض كرة القدم لتصير إيديولوجيا الشعوب الجديدة، كما يذهب تيري إيغلتون في "معنى الحياة".

يتوجب على الإصلاح الانتقال من كونه حزباً إسلامياً لديه ارتباطات خارج حدود جمهوريته إلى حزب محلّي محافظ ،يعنى بالجمهورية كما نعرفها. سيترتب على ذلك مسائل غاية في التعقيد، مثل كشف الحساب المالي للحزب، فلا توجد دولة مستقرة تعيش بداخلها كيانات مالية لا تعرف عنها الدولة شيئاً. الدولة التي تفرط في الرقابة على حركة المال داخل أراضيها هي دولة غير مؤهلة لاستقرار طويل المدى. فضلاً عن كونها دولة تفرط بحقوق مواطنيها. في الدولة الحديثة تحصل المكاتب المالية الحكومية على إذن، من وقت لآخر، للتلصص على الحسابات المالية للشركات والمواطنين.

فحزب الإصلاح ليس مجرد تجمع ضخم لخليط من القوى الدينية والاجتماعية والثقافية. هو أيضاً "وضع مالي" معين، لا تعرف عنه القوانين شيئاً. استمراره على ذلك النحو يعني أنه مستعد للتخفي مستقبلاً عن عدسة اللوائح والقوانين. الفساد المالي والأخلاقي ليس شيئاً آخر بعيداً عن هذا الوضع.

على حزب الإصلاح أن ينتقل لطور جديد يصبح فيه حزباً مكتمل الملامح، وأن يغادر حالة النصف حزب والنصف جماعة. هذا ليس خياراً، ولا هي نصيحة، بل هو ما يتوجب على حزب الإصلاح القيام به إذا كان يريد المساهمة في صناعة الاستقرار.

لدى مستويات عديدة داخل الحزب فإن مثل هذا الأمر غير مفكر فيه، فقد تشرب الوعي العام والشخصي تلك الفكرة الشاملة التي تجعل من الدخول إلى الإخوان نظيراً للدخول في الدين القوي، وأن بقاء الجماعة العابرة للحدود هو الضمان الأخير لبقاء دين الإسلام قوياً وعصيا على الزوال. هذا الوعي القروسطي لا علاقة له بالأزمنة الحديثة، لا بالبنى الاجتماعية الجديدة التي آلت إليها كل أمة على حدة، ولا بفكرتي السياسة والديموقراطية.

داخل حزب الإصلاح هناك مستويان: الحزب، والجماعة. يختار الحزب فئات بعينها وشخصيات بمواصفات معينة لنقلها من داخل مدارات الحزب المكشوفة إلى مستويات أعلى، غامضة وسرية: الإخوان.

لكي يصبح الإصلاحي إخوانياً لا بد أن يؤدي "البيعة". البيعة فكرة لاهوتية قروسطية تجعل من الفرد المتراجع، والمتقهقر خائناً للجماعة، ومنشقاً. وهي مسألة لا علاقة لها بالسياسة ولا الديموقراطية.

على الحوثيين إلقاء السلاح والانتقال للعمل السياسي. وعلى حزب الإصلاح مغادرة جماعة الإخوان المسلمين والخروج، كلياً، إلى العلن. فلا تساعد على تحقيق الاستقرار تلك الحقيقة التي تقول إن ياسين القباطي، الغامض الذي لم يخض سياسة قط، هو القائد الفعلي للحزب والجماعة معاً. 
عند مستوى معين سيبدو الحزب، الذي يستند إلى جماعة شاملة وغامضة، شبيهاً بممارسات غسيل الأموال: واجهة شكلية تقول غير الحقيقة.

نتندر بالنكتة التي تقول إن محمد الحوثي هو مجرد سكرتير للزعيم الديني عبد الملك الحوثي. علينا أن لا ننسى محمد اليدومي هو أيضاً، بدرجة ما، سكرتير لدى القائد الروحي ياسين عبد العزيز القباطي.

كتبت كثيراً عن تحولات حزب الإصلاح، لا عن تحولات الإخوان المسلمين. وقلتُ كثيراً أنه من الأفضل أن ندفع حزب الإصلاح ليصبح حزباً أفضل. يتطلب ذلك دفعه للتخلي عن أحلام القرون الوسطى، وأن يكشف سجله المالي وسلاسله العنقودية أمام السلطة البيروقراطية للدولة، وأن ينفصل على نحو نهائي عن جماعة الإخوان المسلمين.

صحيح إن خطاب الحزب ينتقل تدريجياً، وعلى نحو جاد، إلى فكرتي الدولة القومية والجمهورية، لكنه لا يزال مرتبطاً بتنظيمات عابرة للحدود، إدارياً ونفسياً. ولا يمكنك أن تكون حزباً داخل الجمهورية ومنشداً للخلافة في آن واحد.

اليمن هو اليمن، وهو بلد اليمنيين. ولليمنيين حلم: دولة قوية، جمهورية الطابع، تمثل الديموقراطية مناخها النهائي، وتحرسها أجهزة عدالة محايدة وصارمة. في نهاية المطاف يجد اليمنيون أنفسهم داخل دولة تمنحهم الكرامة الفردية والجماعية ولا تتوقف عن خلق فرصة الحياة والإبداع.

في الطريق إلى هذا الحلم القومي، وهو حلم كل شعب يعرف مكانه من التاريخ، لا بد من سقوط السرديات الكبيرة: الخلافة، الولاية، الأممية. وذلك يتطلب نسف كل الجسور الممتدة مع هذه السرديات القروسطية، سرديات ما قبل الجمهوريات الحديثة، وأحلام أزمنة ما قبل الإنترنت.

على الحوثي أن يقف بقدميه الاثنتين داخل السياسة..
 وعلى الإصلاح أن يدرك أن قدماً واحدة لا تكفي.

 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص