الذين لا ينحنون

(للشهيد ام)، كان يلثم قدميها كل جمعة ويطبع في جبينها قبلة تدفن أحزانها، وتكتب لها عمراً جديداً.
تتذكر حين جاءها منكسراً ذات مساء يطلب منها الغفران لأنه رفع صوته في لحظة غيظ؛ فترفع امه عينيها المليئة بالدموع وتبكي من بكائه.
قال لها قبل الذهاب: زوديني بالدعاء. لم تكن تعلم أنها رحلة اللاعودة، لكنها زودته كل ليلة بما يكفيه للشفاعة بين يدي البر الرحيم، وبما يكفي للقصاص من المجرم.
وحين تهاجمها خواطر الحنين والشوق تتذكر أن موته لم يكن عبثاً بل موتا يقيه ووطنه من العار..
(للشهيد أب) كان يرتفع رأسه حين يتحدث الناس بالخير عن ولده، لم يدخر عنه مالاً أو دعاء.
يقعد اليوم في مجلسه يداعب أحفاده وهو يرى فيهم ابنه الذي مضى. يتساءل وقد ذاق مرارة الفقدان: هل كان محقاً حين غرس في أبنائه حب الوطن وكراهة الانحناء لغير الخالق؟
ماضره لو أنه جعله شاة ككل القطعان التي تأكل وتشرب وتصفق مع الجموع الخانعة..
يلقي التساؤلات في وجه الفراغ!
فيأتيه من الأثير العتاب، يقول له: وهل هذه هي الحياة التي تبني الأمة وتقشع الظلمة، وهل كان سيحظى بجوار الرحمن؟!
(للشهيد زوجة) كانت تنتظر حضنه كل مساء. يسامران نجوم السماء، ويعزفان لبعضهما أوتار المحبة.
تقلب اليوم ألبوم الصور.
ها هو في عرسنا مبتسما كالفجر. يحتضنها من خصرها ويزرع الحب في عينيها.
حين خرجا في آخر نزهة لهما قال لها: الشهادة ليست فناء، سأسبقك لأحجز لنا مقعداً في الجنة، وستكونين أنتِ شاهدة المستقبل الجميل الذي ينتظر أجيالنا.
وحين طفرت الدمعة من عيونها مسحها بحنان، وقال لها: يحتاج اليمن للأمل والاستمرار في الكفاح أكثر من حاجته للبكاء.
بالأمس صنع الأوفياء لك حفلاً يتذكرون فيه مناقبك. ألقى اصدقاؤك فيه الكثير عن أخلاقك وسيرتك الشاهقة، وحين جاء دوري في الحديث وقفت أنا وابناؤك ورددنا كلمات النشيد الخالد (رددي ايتها الدنيا نشيدي).
نم بخير يا عزيزي، سأرفع رأسي.. أنا زوجة الشهيد.
(للشهيد ابنة) كان يهتز قلبه حين يرى صفاء عينيها وقبلاتها المضمخة بالحب البريء. حين رآها في ثوب الدراسة لأول مرة بكى. كان يتمتم داعياً لها بالستر، وينهض من سريره في ليالي الشتاء يدثرها ويطبع في وجنتيها قبلة يضحك من طهرها القمر.
حين حاورها عن النقاب قال لها: يا بنيتي لم الخجل؟ ليست هذه الخرقة السوداء عنوان الشرف دائما.. قال لها ضاحكاً!
ينسج الحوثيون للوطن خيوط الظلام ويقولون من أجل خير البلد!!
بالأمس في (عاشر عزائك) يا أبي طلب الحضور مني كلمة.
صعدت المنصة شامخة الرأس. واستفتحت باسم الله ثم 
باسم الفدائي الذي خلقا
من جرحه افقا...
(للشهيد ابن) ترعرع أمام عينيه رضيعا. وطفلا يحبو. وصبيا بلغ معه السعي. كم كان والده حفياً به.
كم رأى في والده القدوة الحسنة؛ يتذكر حين كان يهمس في اذنيه بوصاياه الصادقة، كم كان صبورا وضحوكا ومؤمنا.
يتذكر ورعه حين كان يقول له بلهجته القروية التي حفرت في صدره القيم (يا بني كل التراب ولا تمد يدك الى شيء ليس من حقك).
أنا يا ابتِ في إعلام المقاومة. اراك تضحك لي برضا كل مساء، حين ترهقنا تكاليف الكفاح.
لكل شهيد أحلامه التي ضل يرصفها لبنة لبنة.. حارب الأزمان ليظفر بها.
كل شهيد كان مشروع حياة ونهضة
كل شهيد كان تجربة صقلتها الأيام.
وحضورا في وجه العدم، وشموخاً في زمن الانكسار.
لكل شهيد وطن لبى نداءه حين أذن المؤذن حيا على الكفاح؛
الشهيد حكاية عشق خالد. ومحبة صادقة.
كم هي اليمن محظوظة بهؤلاء، الذي يسقون شجرة الحرية بدمائهم، ويفتحون لنا مغاليق المستقبل، ويمنحون أجيالنا القادمة معنى الحياة

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص