ألأمير

على تبة مرتفعة من جهة الشرق في مدينة إب، يجثم جهاز الأمن السياسي على صدر المدينة، ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً لم يتزحزح من مكانه.
يفعلها المستبد في كل بقاع الأرض، يبني لشياطينه بيوتهم في الأماكن المرتفعة لتصطدم بها الأبصارالتي تنظر إلى الأعلى  فيشدَّها الخوف نحو الأرض.. هذا الجهاز الذي حوله الحوثيون إلى واحدة من محاكم التفتيش التي تحاصر المدينة من جهاتها الأربع.
وعلى كل حال، لم يمنع هذا السلوك المُتبَجِّح الشمسَ يوماً من أن تشرق من جهة الشرق أو استطاع الطاغية أن يضع في وجه السماء النقاب. 
في إب المدينة التي تنام على فوهات براكين القهر والأسى وتغلي حمم الإمتهان والشعور بالمذلَّة في جوف أبنائها. إب (مدينة الكل شيء)... إلا السلام!
يحلو للحوثيين تسمية (مدن السلام) على كل المناطق التي تحت سيطرتهم ويستميتون في الدفاع عن وتسويق هذا الخداع ويشبهون في منطقهم هذا من يريدك أن تطلق على مقلب القمامة وصف الفندق ذو الأنجم الخمسة!
التقيت الاسبوع الماضي في مدينة جده مع أحد شبابها الذي قضى قرابة الشهر في سجن الأمن السياسي،
أو في سجن (أبوحمزة)، كما يحلو له أن يطلق عليه.
دار الحديث بيننا لساعات معظمها كان عن أحد المختطفين الذين مازال حتى اللحظة يسكن الزنزانة.. واسمه (أمير الهندي)..
في حديث صاحبي عن هذا (الأمير)، ما يُلقي بظلال الإكبار والإجلال على روحك. وتتدفق لسان سارد القصة بالثناء على أمير.. وتعرف أنت يا قارئي طلاقة اللسان حين تغترف كلماتها من معين الروح المليئة بالإعجاب، ولم تجد أذني غير خيار الإنصات الخاشع.
أمير أحد شباب الإصلاح الذي أخذه الحوثيون من أحد النقاط مع كل ممتلكاته. ومنها سيارته التي تحولت إلى يد أحد المشرفين يزينها بالبنادق المُشرعة من النوافذ، ويكتب بالأخضر على زجاجها المُغتَصَب: (لبيك يارسول الله)!
أوليس (كلُّ المسلم على المُشرف حلال. دمهُ وماله ُوعرضه)!
حدثني صاحبي أنه التقى بأمير في أحد الزنازين بعد ليلة تعذيب مُرهقه، وكان أمير (كالملاك) الذي تجود به السماء في الأوقات العصيبة، يمرر يديه بلطف ويمسح عن جبينه العرق ويَضخُّ في أذنيه كلمات التشجيع والتفاؤل.. وعرف مُحدِّثي في أيامه القادمة أن هذا الإحسان ليس نزوة طارئة، بل سلوك اعتاد عليه كل رفاقه في زنازين السجن الإنفرادية أو الجماعية.
في قلب الخوف والليالي الحالكة: يسري صوت أمير الخاشع تاليا لآيات القرآن، وينساب في أرجاء السجن لا توقفه صلادة الجدران أو سماكة القضبان ويمر صوته على أفئدة رفاقه يهدهدها، ويربت عليها بدفء المؤمن الخاشع الذي إتصلت روحه بالسماء.
أفواج من شباب إب مروا على "أمير"، وتم الإفراج عنهم. وأمير عمودُ الضوء الثابت في مكانه مثل ماء السبيل الذي يفجره الله من نبع الأرض، يسقي المسافرين المهدودين من الماء المعين. أو كالنجم يهتدي به السائر في الدُّلجه الموحشه. ويقسم صديقي أن كل من احتوته مع أمير زنزانة خرج حاملاً لأمير ذكرى مضيئة تعيد ترميم الروح التي ملأها السجان بالشروخ.
اختطف الحوثيون أمير في يوم العاشر لوفاة عمته وإصابة والده بحادث سير طرحه في الفراش عدة أشهر.
مرت الأيام وتزوج اخوه الأحب الأصغر (آدم ). وحين خرج أحد رفاق أمير من السجن أبلغ آدم تهانيه وأوصاه بألا يجعل من سجنه منغصاً يفسد فرحته. يروي صاحبي أيضاً: أن الحوثيين ساوموا أمير أن يترك الإصلاح مقابل الإفراج. أخبر أمير رفاقه بذلك بعد عودته من الإستدعاء في عصر أحد الأيام! غير أن أمير سخر من هذا الطلب. وببساطته ووضوحه الصلب أخبرهم أنه حتى لو كان (يهودي) فلن يتخلى عن خياراته في الحياة تحت إكراه السيف المصلت!
لوالد  أمير شعرٌ أبيض كقلبه. وتحدثك شقوق يديه عن سيرة مليئة بالكدح في الأرض والكسب الحلال.. يقوم من على فراش المرض كلَّ ثلاثاء باكراً وصفائح الحديد التي تسكن أقدامه يلذعها البرد ويشتد ألم هذا الأب المسن الذي يحرمه الحوثيون احتضان ولده منذ عام ونصف!! يصل مبكراً إلى سجن الامن السياسي ويضل منتظراً حتى يلفح رأسه الكهل هجيرُ الشمس ولمزات  السيئين عن ولده الانقى! وإن حالفه الحظ التقى بولده من وراء حجاب القضبان، وعيون المحققين والعسكر تحاصر اللقاء. قال بعد تعب عامٍ من الذهاب والرواح وملاحقة الوعود الكاذبه لمسئول الأمن السياسي: احتفظوا به عندكم. (جيزه من جيز الزبيري).
توقف صديقي عن السرد وبإبطاء المتأثر تحدث:
خلف القضبان دنيا مليئة بالفرسان والنبلاء الذين اجتازوا امتحانات الصدق في حب الاوطان بنجاح. ووراء قضبان الزنازين يكتب الشباب اليمني أجمل روايات الكفاح والرجولة.
أوصد الحوثيون على النبلاء أبواباً سبعة، وأطلقوا اللصوص وفتحوا لهم ألف باب لدوس كرامة اليمني وابتزازه.
إلى  اليوم وأمير يقضي (ستمائة وأربعة عشر يوماً)، ويقسم صاحبي أن جِلدَه لم يُصافح الشمس ولو لمرة واحدة! وأنه ليس في روح أمير منطقه لا يشع منها الدفء!
ويسأل الواحد منا: كيف يهزم المُختَطَفُ كلَّ هذا الأذى وهو أعزل في محبسه؟! تلك كلمة السر  التي كشفها أبطالنا المختطفون: سرَّ العزائم اليمنية الصلبة المتحدية والمستخفة بالمشاريع الهشَّة.
يرسف أنبل الشباب اليمني تحت الأغلال السلالية والطائفية لكن السجان أعجز من أن يضرب قيداً على القلب المُسوّر بالإيمان واليقين؟!
ستدول الأيام بلا شك ويتحرك التاريخ ويخرج هؤلاء الشباب الذين خلقوا للمجد رافعي الرؤوس من التباب الوضيعة.
المصدر (يمن مونيتور)